عبد الله بن محمد المالكي
307
رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم
يعفو ربنا الحليم . ولقد علمت ما حلّ بمغمداس « 47 » وغيرها ، فإنا للّه وإنا إليه راجعون ، ثم إنا للّه وإنا إليه راجعون . وقد قال إلهنا الكبير عزّ وجل : ( وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً ) « 48 » . وإني أرى لك أن تحدث حذرا واحتراسا واستكانة وخضوعا وتذللا وخشوعا ، ترجو بذلك رضى إلهك والنجاة من نزول عقابه ، وما ظهر من الفساد خوفا من سخط الجبار ، ولا تكن من الغافلين ، ولكن أكثر من مجالستك من أهمه أمر نفسه وصلاح دينه ، فإن لم تجد أولئك فعليك بالخلوات واستعن باللّه عزّ وجلّ ، ولا تزال تذكرنا ، فإني قد نشبت في موضع لا يخلص منه إلا اللّه عزّ وجل . والوحدة / لا تضر من خاف اللّه تعالى بالغيب . والأنس لا ينفع من كان من دينه في شك وريب . قال اللّه عزّ وجل : ( فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ) « 49 » . فمن رجوت من أهل زمانك أن يكون بقاؤه رحمة لأهل مكانه فاسرع « 50 » إليه وانتفع بلقائه ، فإنه قد أدرك أمرا عظيما . فعليك يا أخي بكثرة الحزن والتفكّر والاعتبار بالذكر وملازمة الدار ، ولا يعجبك كثرة الحديث ، فإنه ليس نافع الأمور « 51 » إلا حديثا حرك القلوب لما فيه نجاتها وعمارتها بما يرضي ربها عزّ وجل . وقد جاء في الحديث أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال « 52 » : « من أصبح أكبر همه غير اللّه عزّ وجل ، فليس من اللّه [ في شيء ] « 53 » ومن لم يهمه أمر المسلمين فليس منهم » . وقد أصبح الناس يسفك بعضهم
--> ( 47 ) في الأصل بغمديس - بدون اعجام ولعلّ الصواب ما أثبتناه وهو يشير إلى « واقعة المغمداس » . التي قضى فيها أبو حاتم الأباضي الآنف الذكر على نجدة كبيرة وجهتها الخلافة العباسية في بغداد لفك الحصار عن مدينة القيروان وحاميتها المحاصرة بها . ومغمداس موضع بأرض سرت . ينظر عنه : مسالك البكري ص 7 ومعجم البلدان الليبية ص 323 . وينظر عن الواقعة : طبقات المشايخ 1 : 38 . ( 48 ) سورة الإسراء آية 16 . ( 49 ) سورة الكهف آية 65 . ( 50 ) في الأصل : فاسر . ( 51 ) كذا في الأصل . ولعل صواب العبارة : « فإنه ليس بنافع الا حديث » . ( 52 ) في الأصل : أنه قال . والحديث رواه السيوطي في الجامع الصغير ( الفتح الكبير 3 : 162 ) . وعزاه للحاكم في المستدرك . وكذا العجلوني في كشف الخفاء 2 : 297 . ( 53 ) بياض في الأصل أكملناه من رواية العجلوني عن المستدرك .